محمد علي السوداني

( 1341 - 1390 هـ)
( 1922 - 1970 م)
سيرة الشاعر:
محمد بن محمد بن علي السوداني.
ولد في حلفاية الملوك (السودان)، وتوفي فيها.
عاش في السودان ومصر.
تلقى تعليمه الأولي بين بلدتي حلفاية الملوك ورفاعة، ثم تخرج في معهد أم درمان العلمي عام 1945، التحق بعدها بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة التي أحرز شهادتها العالية (الليسانس)، إضافة إلى حصوله على دبلوم معهد التربية، فالماجستير من كلية دار العلوم.
عمل - بعد عودته إلى السودان - صحفيًا (1945 - 1946)، فمدرسًا للغة العربية بمدرسة وادي سيدنا الثانوية، ثم محاضرًا بمعهد المعلمين العالي في أم درمان.
شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات في دار العلوم، وفي عام 1959 شارك في مهرجان الشعر الأول بدمشق.

الإنتاج الشعري:
- له ديوانان: «ألحان وأشجان» - 1960، القاهرة (د.ت) - دار البلد - الخرطوم - 1998 ط2. (ويشتمل على بواكير شعره عام 1936 وحتى عام 1960). «وظلال شاردة» - دار التأليف والترجمة والنشر - جامعة الخرطوم 1971، ونشرت له مجلة الرسالة (القاهرية) عددًا من القصائد.

الأعمال الأخرى:
- له كتابان هما: «من جيل إلى جيل» (1945 - 1946) - وهو مجموعة من المقالات نشرتها له الصحف السودانية في زمانه. و «محاولات في النقد» (1952 - 1958) - وهو مجموعة من المقالات نشرتها له الصحف السودانية أيضًا.
شاعر الحلم بالخلود، ونشدان الأبدية، ينبذ طينته الأرضية، راغبًا في النفاذ روحًا نورانيًا تحلق بعيدًا عن مضايقات الجسد. وله شعر في مناهضة الظلم، وهتك بهاء الإنسان، وهضم حقوقه على هذه الأرض. ممجِّد لكفاح الأحرار من أبناء أفريقيا التي يحلم لها بغدٍ جديد، كما كتب في مكافحة الجراد عن الأرض الزراعية بأفريقيا، إلى جانب شعر له في وصف المدن، خاصة ما كان منه في وصف مدينة كردفان، وفي الرثاء نذكر منه رثاءه للعقاد صاحب «مدرسة الديوان»، إلى جانب التحايا والتهاني، والمعارضة الشعرية. مجدّد؛ فقد كتب الشعر باتجاهيه: المحافظ الذي يلتزم الوزن والقافية، والجديد الذي يتبنى النظام الشطري ذا التفعيلة شكلاً للكتابة. تتميز لغته بالتدفق والثراء وجدة الفكرة، وخياله طليق. التزم الأوزان الخليلية إطارًا لبناء قصائده.

مصادر الدراسة:
1 - عبدالحميد محمد أحمد: الإخوانيات في الشعر السوداني الحديث - الدار السودانية للكتب - الخرطوم 2002.
2 - الدوريات: مجلة الرسالة الأعداد: (792) - سبتمبر 1948، (799) - أكتوبر 1948، و(857) - ديسمبر 1949.
    عناوين القصائد:

    من قصيدة: غار ثور

    غارٌ ولكن بين جنبيه الوجود يفيض بشرا
    قفرٌ ولكن أين منه الروض والأنداء سكرى؟
    فهنا رياض الخلد تنفح في بقاع الخلد عطرا
    وهنا ربيع الكون في قلبين أخلاقًا وفكرا

    غار أفاض على الحياة من الهدى والخير فجرا ولديه أستار
    السماء تكشفتْ للعين جهرا
    وصحائف الغيب المحجب نُشِّرتْ سطرًا فسطرا
    والوحي جلجل في ثراه يزفّ للأرواح بشرى
    وضع السكينة في القلوب وشد للعزمات أزرا
    كَلمٌ تدفق في شعاب النفس إيمانا وطهرا
    كَلمٌ يظل على الدهور وصولة الحدثان نضْرا
    خضعت جبابرة الزمان لحكمه طوعًا وقهرا
    وأذاب قيد الفكر فاقتحم السدود وجال حرا

    جاءت قريش والعناد يحيلها لهبًا وجمرا
    وقفت على أعتابه تختال غطرسة وكبرا
    يا ويحها لو أمعنت نظرًا لظل الدهر قفرا
    من ومضة النور الذي حفل الوجود به وأثرى


    رباه ضاق الأمر حتى عادت البيداء شبرا
    مادت جنوب الأرض رعباً والسماء تمور مورا
    وجوانح الصديق تطفح بالأسى والعين عبرى

    يا صاحبان تغربا في الحق وارتضياه ذخرا
    وتجنبا متع الحياة تشع إغراءً وسحرا
    أمسيتما تحت الثرى في خاطر الظلمات ذكرى
    والموت خبأ في نيوب الرقط للأضياف شرا
    والبيد تزخر بالعدو ونابه للفتك أضرى
    ناجيتما الحيَّات باسم الحق فارتشفَتْه خمرا
    سكرت به واستسلمت للخير إعلانًا وسرا
    بشرى كما رجع العدو مزودًا ندمًا وخُسْرا
    بل بشريان: ليثرب بشرى وللغبراء بشرى

    من قصيدة: يوم الجلاء

    يوم كأحلام الشباب، سطعت أشعته الرطابْ
    كنا نعيش به منى غرّاً وأنغامًا عِذاب
    أيام تأكلنا الخطوب ويرتوي منا العذاب
    وتطل من أكواخنا أشباح همّ واكتئاب
    يبست معالمنا وما زلنا بأودية الشباب

    واليوم يجلو الغاصبون عن الديار فلا إياب
    تحدوهم اللعنات حيث سرت بهم هُوج الرِّكاب
    طهر التراب وكان فيه مقامهم دنسًا وعاب
    سرتِ البشارة في الحواضر والدساكر واليباب
    هي فرحة أضحت تطل برأسها من كل باب
    وعلى ضفاف النيل للأمواج رقصٌ واصطخاب
    والباسقات من النخيل تميس كالغيد الطراب
    وأرى القبورَ الهامداتِ اليومَ تضطرب اضطراب
    ويكاد يهتف ساكنوها «الموت بعد اليوم طاب»

    تيهي بلادي ليس بعد اليوم ذلٌ وانتحاب
    واستقبلي الفجر الجديد فقد أطل وقد أهاب
    إني لألمح جنًة في الأفْق شاسعةَ الرحاب
    لفّاء حالية الرؤى شجْراء عامرة الجناب
    طابت لأسمار الكهول وزانها مرح الشباب
    وعلى الموائد أكؤسٌ كالنجم قنَّعها الحباب
    برئت من الآفات لاظلمٌ يُخاف ولا صعاب
    بل كلها أمل وحب وانعطاف وانجذاب
    ومشاعر قد راضها التهذيب والأدب اللباب
    وسواعد تبني الجبال الشم شامخة الهضاب

    من قصيدة: سحر كردفان

    هممت أن أطلِّقَ الشعر طلاق الأبدِ
    فإن بدا شيطانه أخذت منه قَوَدي
    لقد أطال سهري وقد أطال نكدي
    ماذا جنت كفَّاي من رصينه المجوّد؟
    أبيت ليلي ساهرًا كراهب في معبد
    مهمهمًا مدمدمًا في ليليَ المسهَّد
    تخذت من أبياته منازلي ومسجدي
    وغصت في بحاره ذات العباب الأسود
    ممنيًا نفسي الغنى باللؤلؤ المنضَّد
    فلم أفز بطائل سوى خيال الزَبد
    والناس حولي أفعموا جيوبهم بالعسجد
    وثمَّروا الخميلَ حول الأبلق الممرَّد

    لما رأيت حسرتي، وخيبتي، وكمدي
    هممت أن أطلق الشعر طلاق الأبد
    فلا أحبِّر الخيال في قشيب البُرُد
    ولا أوقِّع الأنغام في النشيد الغَرِد
    وأطفئ النيران من أناملي وكبدي
    وأنفق الساعات بين مكتبي وولدي

    لكن عزمي خانني وخانني تشدُّدي
    لما تبدت كردفان غادة في مشهدي
    وعادني ما عادني من ذكرها المخلد
    ومن مجالي سحرها القديم والمجدد

    ملاحظات القراء