محمد أمل فهيم محارب دنقل

1404-1359هـ 1983-1940م

سيرة الشاعر:

محمد أمل فهيم محارب دنقل.
ولد في قرية القلعة، مركز قفط (محافظة قنا - صعيد مصر) وتوفي في القاهرة.
عاش في قنا، والإسكندرية، والسويس، والقاهرة.
نشأ في بيئة علمية إذ كان والده معلماً للغة العربية بمدرسة قنا الثانوية الصناعية، وشاعرًا لديه مكتبة عامرة.
تلقى تعليمه قبل الجامعي في قنا، وفي هذه المرحلة المبكرة كان قد حفظ عدداً من أهم دواوين الشعر القديم، والحديث، وبدأ محاولات النظم، ثم التحق بكلية الآداب - جامعة القاهرة - قسم اللغة العربية عام 1958، وفي «بيت الطلبة» يصطدم بالتيارات والصراعات الثقافية لأول مرة، فيفقد تركيزه الدراسي ويرسب عامين متتابعين، فتفصله الكلية، وهو غير عابئ لما بدأ يحقق بقصائده وخوضه غمار العاصمة.
عمل بمصلحة الجمارك بالإسكندرية (1961) وسرعان ما أصبح واحداً من شعراء الإسكندرية الشبان، ونال جائزة من المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون بهذه الصفة، ثم عمل فترات موظفاً بمحكمة قنا، وفي جمارك السويس، كما اشتغل فترة بالثقافة الجماهيرية، وبالهيئة العامة للكتاب، ثم أصبح مدير النشر في منظمة التضامن الأفرو آسيوي قبل أن يتفرغ تمامًا للشعر.
شارك في المظاهرات المطالبة بالحريات في مصر (1972) وأدت معارضته إلى اسقاط عضويته من التنظيم السياسي الوحيد (الاتحاد الاشتراكي) 1973، كما عارض اتفاقية السلام مع إسرائيل، وأصبحت قصيدته «لا تصالحْ» شعارًا سياسيًا ذا تأثير عظيم في الجماهير العربية حتى بعد ربع قرن على رحيله.
أقيمت عدة احتفاليات في مناسبة ذكرى رحيله منها احتفالية المجلس الأعلى للثقافة.
نشرت مجلة «أخبار الأدب» - القاهرية - في عددها رقم 256 الصادر في 7/6/1998 ملفًا خاصاً عن الشاعر بمناسبة مرور 15 عاماً على رحيله، بعنوان: «أمل دنقل الصعلوك الجليل»، كما نُشر في العدد نفسه قصيدة «لا تصالحْ» بخط يده.
نشرت الأهرام في سلسلة «كتاب في جريدة» مختارات من شعر أمل دنقل اختارتها وقدمت لها عبلة الرويني، وقدم رسومها الفنان مكرم حنين، في 6/5/1998.
أُعدّت عن شعره دراسات لنيل درجات علمية عالية من الجامعات المصرية خاصة: «أمل دنقل شاعراً إنسانيًا»: كلية الآداب، جامعة عين شمس 1987، «أمل دنقل بين التراث والتجديد»: كلية الآداب، جامعة الإسكندرية 1988، «صورة الدم في شعر أمل دنقل»: كلية دار العلوم، جامعة المنيا، 1990، «شعر أمل دنقل»: دراسة فنية: كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1994.
أما جهد الجامعات العربية والأجنبية فإنه يتجاوز هذا.
شارك أمل دنقل في ندوة مجلة «فصول» عن قضايا الشعر المعاصر، ونشرت وقائعها في المجلة: مج1 عدد 4 - يوليو 1981.
تعد قصيدته «الخيول» من عيون الشعر العربي الحديث، وهي الأقوى تمثيلاً لما بلغ فن الشعر عنده من رؤية إنسانية كونية، ورقي روحي وفكري.

الإنتاج الشعري:
- صدرت له ستة دواوين، ومجموعة الأعمال الكاملة، على النسق الآتي: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة: دار الآداب - بيروت 1969، وتعليق على ما حدث: دار الآداب - بيروت 1971، ومقتل القمر: دار الآداب - بيروت 1974، والعهد الآتي: دار الآداب - بيروت 1975، وأقوال جديدة عن حرب البسوس: دار المستقبل العربي - القاهرة 1983، وأوراق الغرفة (8): الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1983، وأعادت مكتبة مدبولي بالقاهرة نشر الدواوين الستة السابقة في مجلد واحد، بعنوان: «أمل دنقل» الأعمال الكاملة. لم ترتب الدواوين في المجلد وفقًا لتواريخ النشر الأول لكل منها، غير أنها أضافت إليها سبع قصائد متفرقة، لم يحوها ديوانه من قبل.
من الصعب تعقب مراحل التطور في شعر أمل دنقل، واستيعاب تقنيات القصيدة عنده في كل مرحلة. ولكن من الممكن الإشارة إلى ملامح عامة انفرد بها شعره في مقدمتها: النظرة الكونية إلى الحياة، والأحياء، وإلى الثقافات وممارسات التاريخ.. فالقصيدة عنده حضور كامل لكل معطيات الكون من منظور إنساني. وتكتمل هذه النظرة الكونية أو تعادل (وليس تعارض) باعتزاز قومي بالتاريخ العربي، وبالتراث العربي الحكائي والفكري، ماثلاً في القيم والأحداث والأشخاص، وقد تواصل هذا الاتجاه مع عنايته بالأساطير، وبقراءة النفس الإنسانية من منظور استثنائي أو خاص.

مصادر الدراسة:
1 - أحمد الدوسري: أمل دنقل شاعر على خطوط النار - دار الغد - القاهرة 1991.
2 - إخلاص فخري عمارة: استلهام القرآن الكريم في شعر أمل دنقل - دار الأمين - القاهرة 1996.
3- جابر قميحة: التراث الإنساني في شعر أمل دنقل - دار هجر للنشر - القاهرة 1987.
4 - رجاء النقاش: ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء - دار سعاد الصباح - القاهرة، والكويت 1992.
5 - سيد البحراوي: في البحث عن لؤلؤة المستحيل - دار الفكر الجديد - بيروت 1988.
6 - عبلة الرويني: الجنوبي (عن حياة الشاعر) - دار سعاد الصباح - القاهرة، الكويت 1992.
7 - نسيم مجلي: أمل دنقل - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1988.
8 - أرشيف صحيفة الأهرام - رقم 24389 - خاص بأمل دنقل.

الخيول

الفتوحاتُ - في الأرض - مكتوبةٌ بدماء الخيولْ
وحدودُ الممالكْ
رسمتْها السنابكْ
والركابان ميزانُ عدلٍ يميل مع السيفِ
حيث يميلْ!
اركضي أو قفي الآنَ أيتها الخيلُ
لستِ المغيراتِ صبحا
ولا العادياتِ - كما قيل - ضَبْحا
ولا خضرةٌ في طريقك تُمحى
ولا طفلُ أضحى
إذا ما مررتِ به يتنحّى
وها هي كوكبةُ الحرسِ الملكيِّ
تُجاهد أن تبعثَ الروحَ في جسد الذكرياتِ
بدقّ الطبولْ
اركضي كالسلاحفْ
نحو زوايا المتاحفْ
صيري تماثيل من حجرٍ في الميادينِ
صيري أراجيحَ من خشبٍ للصغار - الرياحينِ
صيري فوارسَ حلوى بموسمكِ النبويِّ
وللصِّبْية الفقراء حصاناً من الطينِ
صيري رسوماً ووشماً
تجفّ الخطوطُ بهِ
مثلما جفَّ - في رئتيكِ - الصهيلْ!
كانت الخيلُ - في البدء - كالناسِ
برّيةً تتراكض عبرَ السهولْ
كانتِ الخيلُ كالناس في البدءِ
تمتلك الشمسَ والعشبَ
والملكوتَ الظليلْ
ظهرُها لم يوطّأ لكي يركبَ القادةُ الفاتحونَ،
ولم يلنِ الجسدُ الحرُّ تحت سياط المروّضِ
والفمُ لم يمتثل للجامِ،
ولم يكنِ الزادُ بالكادِ،
لم تكنِ الساقُ مشكولةً،
والحوافرُ لم يك يُثقلها السنبكُ المعدنيُّ الصقيلْ
كانت الخيلُ برّيّةً
تتنفّس حرّيةً
مثلما يتنفسّها الناسُ
في ذلك الزمنِ الذهبيِّ النبيلْ
اركضي أو قفي
زمنٌ يتقاطعُ
واخترتِ أن تذهبي في الطريق الذي يتراجعُ
تنحدر الشمسُ
ينحدر الأمسُ
تنحدر الطرقُ الجبليّة للهوّة اللانهائيةِ
الشهبُ المتفحّمةُ
الذكرياتُ التي أشهرتْ شوكَها كالقنافذِ
والذكرياتُ التي سلخ الخوفُ بشرتَها
كلُّ نهرٍ يحاول أن يلمسَ القاعَ
كلُّ الينابيعِ إن لمستْ جدولاً من جداولها
وهي لا تكتفي!
فاركضي أو قفي
كلُّ دربٍ يقودكِ من مستحيلٍ إلى مستحيلْ!
الخيولُ بساطٌ على الريحِ
سار - على متنه - الناسُ للناس عبرَ المكانْ
والخيولُ جدارٌ به انقسمَ
الناسُ صنفين
صاروا مشاةً وركبانْ
والخيولُ التي انحدرتْ نحو هوّة نسيانها
حملتْ معها جيلَ فرسانها
تركتْ خلفها دمعةَ الندمِ الأبديِّ
وأشباحَ خيلٍ
وأشباهَ فرسانْ
ومشاةً يسيرون - حتى النهايةِ - تحت ظلال الهوانْ
اركضي للقرارْ
واركضي أو قفي في طريق الفرارْ
تتساوى محصّلةُ الركضِ والرفض في الأرضِ،
ماذا تبقّى لكِ الآنَ،
ماذا؟
سوى عَرَقٍ يتصبّبُ من تعبٍ
يستحيل دنانيرَ من ذهبٍ
في جيوب هواةِ سلالاتكِ العربيّةِ
في حلبات المراهنة الدائريّةِ
في نزهة المركبات السياحيّة المشتهاةِ
وفي المتعة المشتراةِ
وفي المرأة الأجنبية تعلوكِ تحت
ظلال أبي الهولِ
هذا الذي كَسَرتْ أنفَه
لعنةُ الانتظارِ الطويلْ
استدارت - إلى الغرب - مزولةُ الوقتْ
صارتِ الخيلُ ناساً تسير إلى هوة الصمتْ
بينما الناسُ خيلٌ تسير إلى هوة الموتْ!

من قصيدة: لا تصالحْ

لا تصالحْْ!
ولو منحوكَ الذهبْ
أتُرى حين أفقأ عينيكَ،
ثم أثبّتُ جوهرتين مكانَهما
هل تَرى؟
هي أشياءُ لا تُشترى
ذكرياتُ الطفولةِ بين أخيكَ وبينكَ،
حسُّـكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياءُ الذي يكبت الشوقَ حين تعانقهُ،
الصمتُ - مبتسمَيْن - لتأنيب أُمّكما
وكأنكما
ما تزالان طفلينِ!
تلك الطمأنينةُ الأبدية بينكما
أنَّ سيفانِ سيفَكَ
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ
للبيت ربُّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي - بين عينيكَ - ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ
تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرّزةً بالقصبْ؟
إنها الحربُ!
قد تُثقل القلبَ
لكنّ خلفكَ عارَ العربْ
لا تصالحْ
ولا تَتوخَّ الهربْ!
لا تصالحْْ على الدم حتى بدمْ!
لا تصالحْْ! ولو قيل رأسٌ برأسٍ،
أكلُّ الرؤوسِ سواءٌ؟!
أقلْبُ الغريب كقلب أخيكَ؟!
أعيناه عينا أخيكَ؟!
وهل تتساوى يدٌ سيفُها كان لكْ
بيدٍ سيفُها أثكلكْ؟
سيقولونَ
جئناكَ كي تحقنَ الدمْ
جئناكَ كنْ - يا أميرُ - الحَكَمْ
سيقولون
ها نحن أبناءُ عَمْ
قل لهم إنهم لم يراعوا العمومةَ فيمن هلكْ
واغرسِ السيفَ في جبهة الصحراءِ
إلى أن يجيبَ العدمْ
إنني كنتُ لكْ
فارساً
وأخاً
وأباً
ومَلِكْ!
لا تصالحْ
ولو حرمتكَ الرقادْ
صرخاتُ الندامه
وتذكَّرْ
إذا لان قلبُكَ للنسوة اللابساتِ السوادِ ولأطفالهنَّ الذين تُخاصمهم
الابتسامه
أنَّ بنتَ أخيكَ «اليمامه»
زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا -
بثياب الحِدادْ
كنتُ، إن عدتُ
تعدو على درج القصرِ،
تُمسك ساقيَّ عند نزولي
فأرفعها - وهي ضاحكةٌ -
فوق ظهر الجوادْ
ها هي الآنَ صامتةٌ
حَرَمتْها يدُ الغدرِ
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ،
من أن يكون لها - ذاتَ يومٍ - أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبَها
وإذا زارها يتسابق أحفادُه نحو أحضانهْ،
لينالوا الهدايا
ويلهوا بلحيته وهو مستسلمٌ
ويشدّوا العمامه
لا تصالحْ!
فما ذنبُ تلك اليمامه
لترى العشَّ محترقاً فجأةً،
وهي تجلس فوق الرمادْ؟!
لا تصالحْ
ولو تَوّجوكَ بتاج الإماره
كيف تخطو على جثّة ابنِ أبيكَ؟
وكيف تصير المليكَ
على أوجهِ البهجة المستعاره؟
كيف تنظر في يد من صافحوكَ
فلا تُبصر الدمَ
في كلّ كَفْ؟
إنَّ سهماً أتاني من الخلفْ
سوف يجيئكَ من ألف خلفْ
فالدمُ - الآنَ - صار وساماً وشاره
لا تصالحْ،
ولو توّجوك بتاج الإماره
إن عرشكَ سيفٌ
وسيفكَ زيفٌ
إذا لم تزنْ - بذؤابته - لحظاتِ الشرفْ
واستطبتَ - الترفْ
لا تصالحْ
ولو قال مَنْ مال عند الصدامْ
« ما بنا طاقةٌ لامتشاق الحسامْ»
عندما يملأ الحقُّ قلبَكَ
تندلع النارُ إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانةِ يخرسْ
لا تصالحْ،
ولو قيل ما قيل من كلمات السلامْ
كيف تستنشق الرئتان النسيمَ المدنَّسْ؟
كيف تنظر في عينيِ امرأةٍ
أنتَ تعرف أنكَ لا تستطيع حمايتَها؟
كيف تصبح فارسَها في الغرامْ؟
كيف ترجو غدًا لوليدٍ ينامْ
- كيف تحلم أو تتغنّى بمستقبلٍ لغلامْ
وهو يكبر - بين يديكَ - بقلبٍ منكَّسْ؟
لا تصالحْ
ولا تقتسمْ مع من قتلوكَ الطعامْ
واروِ قلبكَ بالدمْ
واروِ الترابَ المقدَّسْ
واروِ أسلافكَ الراقدينَ
إلى أن تردَّ عليكَ العظامْ!
لا تصالحْ،
ولو ناشدتكَ القبيله
باسم حزنِ الجليله
أن تسوقَ الدهاءَ،
وتبدي - لمن قصدوكَ - القَبولْ
سيقولون
ها أنتَ تطلب ثأراً يطولْ
فخذِ - الآنَ - ما تستطيعُ
قليلاً من الحقِّ
في هذه السنوات القليله
إنه ليس ثأركَ وحدكَ،
لكنه ثأر جيلٍ فجيلْ
وغداً
سوف يولد من يلبس الدرعَ كاملةً،
يوقد النارَ شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أضلع المستحيلْ
لا تصالحْ،
ولو قيل إن التصالح حيله
إنه الثأرُ
تبهت شعلتُه في الضلوعِ
إذا ما توالت عليها الفصولْ
ثم تبقى يدُ العارِ مرسومةً بأصابعها الخمسِ
فوق الجباه الذليله!
لا تصالحْ، ولو حذَّرتكَ النجومْ
ورمى لكَ كُهّانُها بالنبأْ
كنتُ أغفر لو أنني متُّ
ما بين خيط الصوابِ وخيط الخطأْ
لم أكن غازياً،
لم أكن أتسلّل قربَ مضاربهم
أو أحوم وراء التخومْ
لم أمدَّ يداً لثمار الكرومْ
أرضَ بستانهم لم أطأ
لم يصحْ قاتلي بي «انتبهْ»!
كان يمشي معي
ثم صافحني
ثُمَّ سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأْ!
فجأةً
ثَقَبتْني قشعريرةٌ بين ضلعينِ
واهتزَّ قلبي - كفقّاعةٍ - وانفثأْ!
وتحاملتُ، حتى احتملتُ على ساعديَّ
فرأيتُ ابنَ عمّي الزنيمْ
واقفاً يتشفّى بوجهٍ لئيمْ
لم يكن في يدي حربةٌ،
أو سلاحٌ قديمْ،
لم يكن غيرُ غيظي الذي يتشكّى الظمأْ
لا تصالحْ،
إلى أن يعودَ الوجودُ لدورته الدائره
النجومُ لميقاتها
والطيورُ لأصواتها
والرمالُ لذرّاتها
والقتيلُ لطفلته الناظره
كلُّ شيءٍ تحطَّمَ في لحظةٍ عابره
الصِّبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرُّف بالضيفِ - همهمةُ القلب
حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزلَ المطرُ
الموسميُّ - مراوغةُ القلبِ حين يرى طائرَ الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزةِ الكاسره
كلُّ شيءٍ تحطّمَ في نزوةٍ فاجره
والذي اغتالني ليس ربّاً
ليقتلني بمشيئتهِ
ليس أنبلَ مني ليقتلَني بسكينتهِ،
ليس أمهرَ مني ليقتلني باستدارته الماكره
لا تصالحْ،
فما الصلحُ إلا معاهدةٌ بين نِدَّينِ
في شرف القلبِ
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني محضُ لصْ
سرقَ الأرضَ من بين عينيَّ
والصمتُ يُطلق ضحكتَه الساخره!

مقابلة خاصة مع ابن نوح

جاء طوفانُ نوحْ!
المدينةُ تغرقُ شيئًا فشيئًا
تفرُّ العصافيرُ،
والماء يعلو
على درجات البيوتِ - الحوانيبِ - مبنى البريدِ - البنوكِ - التماثيلِ
أجدادِنا الخالدين - المعابدِ - أجولةِ القمحِ - مستشفيات الولادةِ - بوابةِ
السجنِ - دار الولايةِ - أروقةِ الثكناتِ الحصينهْ
العصافيرُ تجلو
رويدًا
رويدًا
ويطفو الإوزُّ على الماءِ،
يطفو الأثاثُ
ولعبةُ طفلٍ
وشهقةُ أم حزينهْ
والصبايا يلوِّحنَ فوق السطوحْ
جاء طوفانُ نوحْ
ها همُ «الحكماءُ» يفرُّونَ نحو السفينهْ
المغنونَ - سائسُ خيلِ الأميرِ - المرابونَ - قاضي القضاةِ
ومملوكُهُ! -
حاملُ السيف - راقصةُ المعبدِ
ابتهجتْ عندما انتشَلتْ شعرَها المستعارْ
- جباةُ الضرائبِ - مستوردُو شحناتِ السلاحِ -
عشيقُ الأميرةِ في سمته الأنثوي الصبوحْ!
جاء طوفانُ نوحْ
ها هم الجُبناءُ يفرُّون نحو السفينهْ
بينما كنتُ
كان شبابُ المدينهْ
يلجمون جوادَ المياهِ الجموحْ
ينقلون المياهَ على الكتفين
ويستبقون الزمنْ
يبتنونَ سدودَ الحجارةِ
عَلَّهَمُ ينقذونَ مهادَ الصبا والحضارةِ
علهم ينقذون الوطنْ
صاح بي سيدُ الفلكِ - قبل حلولِ
السكينه
«أنجُ من بلدٍ لم تعدْ فيه روحْ!»
قلتُ
طوبى لمن طعموا خبزَه
في الزمان الحسنْ
وأداروا له الظهرَ
يوم المحنْ
ولنا المجد - نحن الذين وقفنا
وقد طمسَ الله أسماءنا!
نتحدى الدمارَ
ونأوى إلى جبلٍ لا يموتُ
يسمونه الشعبَ!
نأبى الفرارَ
ونأبى النزوحْ
كان قلبي الذي نسجته الجروحْ
كان قلبي الذي لعنته الشروحْ
يرقد - الآن - فوق بقايا المدينهْ
وردةً من عطنْ
هادئاً
بعد أن قال «لا» للسفينهْ
وأحبَّ الوطنَ!